محمد بن صالح الكناني
57
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
يصبغ الرجال بالسر ، قيل : إنه صبغ في يوم واحد أربعين رجلا صاروا كلهم من الأولياء ، وهو الذي سقى ماء دلاعة للشيخ سيدي علي الوحيشي الآتي نفعنا اللّه به آمين . فخرج من حينه مجذوبا ، وسبب ذلك أن الشيخ سيدي علي العيوني رحمة اللّه عليه ونفعنا بسرّه آمين ، كانت عنده دلّاعة باقية إلى أن خرج زمن الدلاع ، وكانت تلامذته يطلبون منه دائما أن يعطيها لهم فيقول لهم : ليست لكم ، وإنما هي لصاحبها ، فلما قدم الشيخ سيدي علي الوحيشي إلى القيروان ، زار السيد الجليل أبا زمعة الصّحابي رضي اللّه عنه ونفعنا بسره آمين . ثم توجه إلى الشيخ سيدي علي العيوني ، فلما رآه من بعيد قال لتلامذته : هذا هو صاحب الدّلاعة ، قد أتى إلينا زائرا فأتوني بها ، فأتوه بها فأخذها وأخذ سكينا وقطع منها قطعة بقدر ما يدخل اليد ، ثم أدخل يده فيها وصار يعصر ماءها داخل قشرها حتى صارت شحمتها ماء ، فلما وصل إليه الشيخ الوحيشي قال له الشيخ العيوني : افتح فاك يا علي ؟ ففتح فسقاه جميع ما فيها من ماء ، فخرج الشيخ الوحيشي من عنده وقد أخذه في الحين من الحال والجذب ما لا يكيف . قال : ومن كراماته رحمه اللّه تعالى ؛ أن رجلا مجذوبا أتى إلى القيروان فأظهر من حاله غير ما هو فيه ، ثم ذهب للشيخ سيدي علي العيوني نفعنا اللّه به آمين . وعند الرجل سكين بحزامه فسلّه وقصد به الشيخ ، فنظر له الشيخ نظرا منكرا ، وأشار إليه بالسّبّابة والوسطى فسقطت يده بسكينها عن جسده وبقي بغير يد وقال : وحدثني من نثق به ، أن رجلا من محروسة تونس ، حلّت به نازلة مهمة هرب بسببها من تونس إلى القيروان ، فقصد زيارة الشيخ سيدي علي العيوني رحمه اللّه تعالى وتحصّن بها ، فجاء الإذن من أمير ذلك الوقت ، إلى قائد القيروان بأن يتحيّل في إخراجه من الحرم بسياسة ويرسل به إليه ، فأرسل القائد بعض خواصه فتحيل عليه وخرج معه ، فلمّا بعد عن الزاوية ، تمكن عليه بعض الخدم ، وأوثقه كتّافا ، فعندها التفت الرّجل إلى جهته وقال : يا سيدي العيوني عاري عليك لأني نزيلك وضيفك ، ونزيل الكرام لا يضام ، وهذا الرجل تحيّل عليّ وأخرجني من زاويتك ، فلما استتم كلامه ، أقبل رجل لا يدري من أين جاء وهو يهدر كالجمل الهائج في زمن الشتاء فأشار بيده لذلك الرجل فسقط من حينه إلى الأرض ميتا ، فجاء إلى الرجل وحلّ وثاقه ورده إلى الزاوية ، فأقام بها وعاهد اللّه تعالى أن لا يخرج منها حتى يلقى اللّه ، وأصلح ما بها من الخراب ، وشيّدها من ماله ، ولا زال مقيما بها حتى إلى أن مات ودفن .